◀ العودة للروايات

قائمة الفصول: فلهلا مجلس الامم

الفصل 1: عالم مسالم....الي حد ما
​في الممرات الرخامية الفاخرة لقصر العوالم، كان "جون" يسير بخطوات سريعة يملؤها التوتر. القصر اليوم لم يكن كباقي الأيام؛ الجدران كانت تهتز خفية، وأصوات طنين غريب تنبعث من جهة الحديقة الملكية. ​تجاوز جون البوابات الضخمة ليصل إلى الحديقة، ولم يكد يخطو خطوة واحدة حتى انفتحت أمامه فجوة زمنية مصغرة انبعثت منها صاعقة برقية زرقاء مرعبة! ألقى جون بنفسه على الأرض ممتلئاً بالتراب، بينما تلاشت الصاعقة محولةً شجرة عملاقة خلفه إلى مجرد رماد متفحم. ​وسط الغبار، كان الملك "فلهلا" يقف ممسكاً بيده هالة من طاقة كونية جديدة يحاول اختبارها، ملامحه كانت مزيجاً من الجدية والارتباك الطفولي. ​التفت فلهلا سريعاً وقال بنبرة نادمة: "آسف! لم أقصد ذلك حقاً.. هل أنت بخير يا جون؟" ​وقف جون وهو ينفض الغبار عن ثيابه الهندسية الأنيقة، وتحدث بأنفاس متقطعة: "أجل.. أجل بخير، كنت على وشك أن أُقتل فقط.. لا بأس! على أي حال، هذا خطئي لأنني قاطعت تدريبك. أنا هنا لأن مجلس الممالك يطلب منك الانضمام فوراً." ​عقد فلهلا حاجبيه باستهجان: "الانضمام إلى ماذا؟" ​أجاب جون وهو يفتح ملفاً ضوئياً: "الانضمام إلى مجلس الممالك لأجل بحث العلاقات الدبلوماسية و..." ​لم يكمل جون جملته، إذ انشقت الأرض فجأة في بقعة مظلمة، وخرج منها ظل أسود كثيف أخذ يتشكل تدريجياً حتى تجسد على هيئة إنسان ذو ملامح حادة وباردة. إنه "شادو". ​قال شادو بصوت صارم وخالٍ من المشاعر: "يجب عليك حضور هذا الاجتماع، هذا أمر رسمي صادر من محكمة الأمم البعدية." ​نظر إليه فلهلا ببرود وقلب عينيه بملل: "أمر من أخي؟" ​شادو: "أجل.." ​فلهلا بنبرة حاسمة ومستفزة: "إذن اصمت، لم يطلب أحد رأيك هنا." ​تدخل جون محاولاً تهدئة الوضع وتنظيم الأمور استراتيجياً: "جلالتك، الأمر ليس إن كان يصمت أم لا، إنه واجب قانوني عليك كملك لعوالم الاتحاد." ​لكن شادو تابع بصلابة مستفزة: "إنه أمر من محكمة الأبعاد، ولا يمكن للملك التهرب منه." ​انفجر فلهلا ضاحكاً بسخرية، ثم تلاشت ضحكته وحلّت مكانها نظرة ذكية: "أنا أعلم تماماً لماذا صدر هذا الأمر.. جيكر أصدر هذا الأمر اللعين لسبب واحد فقط.. لأنني لم أتزوج بعد! يريدني أن أحضر هذا المجلس الذي لا يوجد به غير تلك النساء الحمقاوات اللواتي يُدرن ممالك هامشية، فقط ليزوجني بأحداهن!" ​اتسعت عينا جون بذهول التفت نحو شادو: "هل هذا حقيقي؟" ​بدأ التوتر يظهر على شادو الذي تراجع خطوة: "جون اصمت! أنا أحاول أن.." ​قاطعه فلهلا بصوت أهتزت له أوراق شجر الحديقة: "اصمت أنت! لن أذهب مهما حدث، انتهى النقاش. أنا الملك هنا، وأمري هو الناهي!" ​نظر إليه شادو بتحدٍّ غامض وقال: "هل تحاول لعب دور الإله يا فلهلا؟" ​فلهلا ببرود شديد: "انسَ الأمر." ​وفي لمح البصر، وبدون أي مقدمات، اختفى فلهلا من مكانه تاركاً خلفه بضع ذرات من الضوء المتلألئ. ​تنهد جون بيأس والتفت إلى شادو قائلاً: "لقد أفسدت الأمر تماماً يا شادو بنبرتك هذه!" ​وفجأة، أظلمت الحديقة كلياً، وارتفعت برودة الجو بشكل مرعب. من بين الظلال، ظهر شخص يرتدي معطفاً طويلاً أزرق اللون، يضع على وجهه قناع جوكر مخيف، وينبعث من حنجرته صوت ضخم ومرعب يتردد صداه في المكان. إنه "جولي". ​قال جولي بنبرة ساخرة وغموض يلف كل كلمة: "ومن قال إنه أفسد الأمر؟.. هذا الرفض كان متوقعاً منه تماماً." ​بمجرد أن بدأ جولي بالحديث، انحنى شادو برأسه احتراماً ورهبة، بينما تراجع جون خطوة للخلف وهو يشعر بالغموض يلف خطط جولي ومحكمة الأبعاد. ​في هذه الأثناء، على الجانب الآخر من الكون، وتحديداً في أحد الكواكب العسكرية التابعة لملكية فلهلا، كانت الأجواء مشحونة بصوت الآلات وتحركات الجنود الصارمة. كان الكوكب عبارة عن ثكنة عسكرية عملاقة مغطاة بالدروع والمعادن. ​ظهر فلهلا فجأة في غرفة العمليات الاستراتيجية، حيث كان الجنرال "ائير" والمستشار المخضرم "جوني" يراجعان الخرائط البيانية والمخططات الحربية. ​تخطى فلهلا الحراس ووقف أمام الطاولة الضوئية، وقال بلهجة جادة وعينين حادتين: "الإنتاج العسكري يتراجع.. أريد تفسيراً فورياً." ​ضرب الجنرال ائير التحية العسكرية بملامح قلقة: "سيدي.. ماكينات إنتاج محركات الطائرات المقاتلة تحتاج إلى خام (الميثال)، ولدينا عجز حاد وضخم في هذا الخام بالوقت الحالي بسبب إغلاق بعض المناجم." ​تدخل جوني سريعاً، محاولاً إيجاد حل استراتيجي، وفتح خريطة مجرية: "لحظة.. أليس لدينا مجرة (ميوثال)؟ حسب معلوماتي الموثقة هنا، هناك بها 19 مجموعة شمسية، بما يقارب 66 كوكباً تحتوي كلها على احتياطي هائل من خام الميثال!" ​ابتسم فلهلا بثقة وقال: "أجل، هذا بالضبط ما كنت سأقوله." ​لكن الجنرال ائير تنهد بقلة حيلة: "أجل يا سيدي كلامكما صحيح.. لكننا نحتاج هذا الاحتياطي حالياً في الإنتاج المدني، لتسيير حياة المواطنين في العوالم السلمية، ونقل البضائع والمستشفيات الطائرة." ​فكر فلهلا للحظات بعقلية القائد الحازم، ثم قال: "أريد تقريراً شاملاً ومفصلاً عن شركات إنتاج الطائرات المدنية." ​شعر جوني بالرعب من تفكير الملك، ووضع يده على رأسه قائلاً: "أرجوك لا تقل إنك تريد..." ​قاطعه فلهلا بابتسامة حادة: "إنتاج عسكري!.. أجل، هذا ما أريده تماماً. سنحول خطوط الإنتاج." ​صرخ جوني بقلة حيلة محاولاً شرح الأزمة استراتيجياً وكوميدياً في آن واحد: "سيدي! سيكون هناك عجز كارثي في الإنتاج المدني! سيتنقل المواطنون على عربات تجرها حيوانات فضائية! وأيضاً نحتاج إلى مدة زمنية كبيرة جداً حتى نجهز ماكينات الإنتاج لتناسب الطائرات العسكرية، ولم أذكر بعد تكاليف نقل العمالة، والانخفاض الحاد في الاقتصاد، وتقليل استخدام الميثال في قطاعات أخرى بسبب هذا الفعل الطائش!" ​وقف فلهلا صامتاً لبرهة وسط جدال جوني وائير، يتأمل الخرائط ويبحث عن مخرج للأزمة دون تدمير القطاع المدني. ​همس فلهلا لنفسه: "حسناً.. أعلم ماذا سأفعل." ​تراجع فلهلا خطوة، وتغيرت نبرة صوته فجأة لتصبح مرعبة وضخمة، وخرج من حنجرته صدى صوت مألوف.. إنه صدى صوت "جولي"! صرخ فلهلا مستدعياً إياه. ​انشقت أرض الغرفة العسكرية، وخرج جولي من فقاعة ظلام سوداء هبطت من العدم. نظر جولي إلى فلهلا من خلف قناع الجوكر وقال بصوته المرعب والمبتسم: "هل اتخذت قرارك أخيراً؟" ​نظر إليه فلهلا بحدة وقال: "كنت تنوي وتخطط لكل هذا منذ البداية، أليس كذلك؟ وضعتني في مأزق الخام لتجبرني على الذهاب." ​ضحك جولي بنبرة غامضة: "عليك إيجاد وريث لعوالمك يا فلهلا.. هذا هو الأهم." ​رد فلهلا وهو يستدير مغادراً بقدم ثابتة: "هذا لا يعنيك.. سأذهب إلى مجلسك الأحمق والمليء بالمزعجات، لكن ليس لأجل الزواج.. بل لأجل إيجاد ملكة مناسبة أستطيع من خلال مملكتها استيراد خام الميثال وإنقاذ جيشي!" ​انفجرت فقاعة الظلام ضاحكة، بينما وقف جوني وائير في ذهول من هذه الخطة الاستراتيجية التي خلطت بين السياسة العسكرية.. والبحث عن عروس!
الفصل الثاني: مجلس الممالك
في المكتب الملكي الفخم، كانت الأوراق والخرائط الكونية مبعثرة بطريقة تدل على عبقرية وعشوائية صاحبها في آن واحد. انفتح الباب فجأة ودخل "جون" وهو يرتدي بزته الرسمية لقوات حرس الحدود، ويحمل في يده حقيبة دبلوماسية ثقيلة. ​جون وهو ينظر إلى ساعته البعدية: "سيدي، حان الوقت. سنذهب الآن، البوابات البعدية مستقرة تماماً ومستعدة لنقلنا إلى مكان الاجتماع." ​رفع فلهلا عينيه عن طاولة القراءة، وكان يمسك بقلم كوني يضيء باللون الأزرق: "كنت أجهز بعض الأوراق والاتفاقيات.. جون، هل لي بسؤال؟" ​جون: "بالتأكيد يا سيدي، تفضل." ​فلهلا بنظرة شك كوميدية: "أليس لديك عمل حقيقي ومهم في حرس الحدود بصفتك القائد الأعلى هناك؟ ما الذي يفعله قائد الحدود في اجتماع دبلوماسي؟" ​جون وهو يتنحنح بحرج: "لقد تولى 'آدم' مكاني مؤقتاً في القيادة.. أنا أرافقك اليوم لأجل عرض ملفات سرية للغاية تخص تهريب الأسلحة الثقيلة عبر الحدود البعدية، وهناك اتهامات قد توجه إلينا." ​فلهلا وهو يقف وينفض عباءته السوداء: "حسناً.. هيا بنا إذن لنرى سيرك المهرجين هذا." ​وعندما وصلوا إلى ساحة المغادرة الكبرى أمام البوابة البعدية العملاقة، توقف فلهلا في مكانه وفتحت عيناه من الصدمة. كانت الساحة تمتد لعدة كيلومترات، وتكتظ بصفوف لا تنتهي من الجنود المدرعين، والفرسان الذين يمتطون وحوشاً مجنحة، وأسراب من الطائرات الحربية التي تغطي السماء. ​تراجع فلهلا خطوة وقال بذهول: "ما كل هذا الجيش؟! هل هناك حرب كبرى أعلنتها عوالمي وأنا لا أدري؟" ​تقدم شادو ببروده المعتاد، ووقف بجانبه قائلاً: "إنهم حرسك الشخصي لحمايتك في المجلس.. أربعة ملايين جندي، موزعين بين فرسان، وجنود مشاة، وطيارين، وقوات نخبة، و..." ​قاطعه فلهلا بسخرية لاذعة: "..وطباخين وراقصين أيضاً، أليس كذلك؟" ​رمقه شادو بنظرة حادة: "هل تمزح في وقت كهذا؟" ​فلهلا وهو يضرب جبهته بيده: "أنت الذي تمزح معي! أنا ذاهب لحل مشاكل العوالم الدبلوماسية ولأجل خام الميثال، ولست ذاهباً لاحتلال المكان وتدميره!" ​تدخل جون وهو يحاول تلطيف الأجواء كالعادة: "في الحقيقة يا سيدي، هذه مجرد فرقة واحدة من جيشك العظيم.. بل هي أصغر فرقة استعراضية لدينا!" ​أخذ فلهلا نفساً عميقاً، ثم التفت إلى جون وشادو، وظهر شخص رابع خلفهم من بين الظلال يدعى "اسنيكي"، وهو جاسوس القصر غريب الأطوار. ​قال فلهلا بحزم: "أنت، وشادو هذا الأحمق، وهذا المتسلل هناك.. سنذهب نحن الأربعة فقط وبدون أي حراسة. أنا أستطيع تدمير هذا الجيش بأكمله بفرقعة إصبع واحدة إن أردت، فلا داعي لهذه الشكليات السخيفة." ​تمتم اسنيكي وهو يعدل نظارته ويمشي بخطوات مريبة: "هل ناداني بالأحمق للتو؟ أنا جاسوس محترف ولا يجوز..." جون مقاطعاً بصوت منخفض: "اصمت يا اسنيكي!" اسنيكي وهو ينكمش على نفسه: "حسناً، حسناً.. كنت أسأل فقط من باب الفضول." ​التفت شادو نحو فلهلا وقال بنبرة ممتلئة بالتهكم والدراما: "أنت تحاول دائماً أن تكون مختلفاً عن بقية الملوك الأباطرة.. ولكنك في الحقيقة تصرفاتك تجعلك تظهر كأحمق لا يفقه في الهيبة الملكية." ​توقفت الكلمات في الهواء، وتغيرت ملامح فلهلا فوراً إلى حدة مرعبة. وفي لمح البصر، اندفع فلهلا كالصاعقة وقبض بيده القوية على رقبة شادو ورفعه عن الأرض! ​قال فلهلا بنبرة فحيح مرعبة هزت الساحة: "الأمر لا يعنيك.. وتحدث مع ملكك بأسلوب أفضل، وإلا جعلت ظلّك هذا يتلاشى من الوجود كلياً!" ​كان شادو يختنق لكن كبريائه منعه من التراجع، بينما بدأ اسنيكي يرتجف خوفاً خلف العمود. ​اندفع جون بسرعة وأمسك بذراع فلهلا قائلاً بهلع: "اهدؤوا! لا داعي لهذا العنف الآن، سيدي أرجوك اطلق قبضتك عن رقبته، نحن على وشك الدخول للاجتماع ولا نريد فضيحة ديمبلوماسية!" ​ترك فلهلا رقبة شادو ببرود، فاستعاد شادو توازنه وهو يسعل ويمتلئ غيظاً. ​عبر الأربعة البوابة البعدية، ليجدوا أنفسهم أمام القاعة الأسطورية لمجلس الممالك، حيث الزجاج الملون والأعمدة الذهبيه. لكن عند البوابة الرئيسية، اعترضت طريقهم حارسة مدججة بالسلاح وممسكة برمح طاقة. ​الحارسة بنبرة متعجرفة: "توقفوا! لا يمكن دخول الأتباع والخدم. الملوك والنبلاء فقط هم من يسمح لهم باجتياز هذه البوابة." ​تقدم شادو بغضب: "تنحي جانباً! هذا ملك العوالم..." ​قاطعه فلهلا باسطاً يده أمامه: "اصمت دقيقة يا شادو.." ثم التفت للحارسة بابتسامة باردة: "ماذا تعنين بأن الأتباع أو الشعب لا يستطيعون مشاهدة الاجتماع؟" ​الحارسة بصلابة: "الاجتماع سري ومغلق، ويخص أصحاب الدماء الملكية فقط." ​تغيرت نبرة فلهلا إلى دراما حزينة ممزوجة بغضب دافين: "هل أصبح معرفة مصير الشعب حكراً على الأغنياء والطبقات العليا فقط؟ أم أن الشعب مجرد قطيع لا يحق له أن يعلم ماذا يقرر حاكمه خلف الأبواب المغلقة؟!" ​ظنت الحارسة أن هذا تمرد، فوجهت رمحها نحو صدر فلهلا، وفي ثانية واحدة، تحولت القاعة إلى ساحة حرب باردة: استلت الحارسات الأخريات أسلحتهن، ورفع اسنيكي مسدساته المكتومة بسرعة خاطفة وهو يبتسم بخبث، بينما بدأت قبضة شادو تشتعل بطاقة سوداء مرعبة.. طاقة كفيلة بمحو عوالم بأكملها من الوجود! ​ألقى جون بجسده في المنتصف وهو يرفع يديه بهلع: "لحظة! لحظة واحدة! سيدي.. أرجوك، مجلس الممالك ليس مثل مجلس الأمم البعدية، لديهم قوانين صارمة هنا!" ​فلهلا بعينين تشعان ضوءاً كونياً: "وأنا لست ملكاً قبل أن أكون واحداً من هذا الشعب!" ​وفجأة، رن صوت خطوات كعب عالٍ يتردد صداه في القاعة، واصطف الحراس في إنحاء تام. كانت الملكة "ديما"، حاكمة إحدى الممالك الكبرى، تسير بوشاحها المخملي الطويل ونظراتها الحادة. ​نظرت ديما إلى فلهلا بتكبر وقالت: "هل قررت أن تأتي أخيراً أيها الملك فلهلا؟ أم أنك كنت مشغولاً باللعب في عوالمك الهامشية؟" ​التفت إليها فلهلا وقال بسخرية: "ماذا؟ هل أصبحتِ عمياء ولم تعد عيناكِ ترياني، أم أن قدرتكِ العقلية المحدودة لا تستوعب وجودي العظيم في هذا المكان؟" ​احمرّ وجه ديما غضباً وقالت بغيظ: "تباً لك!.. سأنتظرك في الداخل، فلدي قائمة طويلة من الاتهامات الموجهة ضدك يا فلهلا." استدارت ودخلت القاعة. ​نظرت الحارسة التي كانت تعترضهم إلى فلهلا برعب وجسدها يرتجف: "هل.. هل أنت فلهلا؟ 'إله الآلهة' كما يلقبونك في العوالم السفلية؟" ​عقد فلهلا حاجبيه ب تعجب: "إله الآلهة؟.. ماذا تعنين بهذا الهراء؟" ​سحب شادو فلهلا من عباءته وقال بصوت منخفض: "سأشرح لك هذا اللقب الغبي لاحقاً.. هيا بنا ندخل الآن سيبدأ الاجتماع." ​داخل القاعة المستديرة الكبرى، جلس ملوك وملكات العوالم. وقفت الملكة ديما في المنتصف، وبدأت الحديث بنبرة هجومية: "أنا أكره المقدمات الطويلة، وسأقول كلامي بشكل مباشر وموثق.. هل تقوم ببيع الأسلحة الكونية الجماعية لجماعات 'الشيشن' المتمردة التي تريد الانفصال عن حكمنا؟ هذا الفعل يخرق القانون الدولي للأبعاد السبعة!" ​همس الحضور بقلق، ونظر الجميع إلى فلهلا الذي كان يجلس واضعاً رجلاً فوق رجل ببرود شديد. ​اعتدل فلهلا في جلسته وقال: "سأترك قائد حرس الحدود الخبير يتكلم عن ذلك ويفند اتهاماتكِ السخيفة.. جون، تفضل وتكلم." ​التفتت الأنظار كلها نحو جون، الذي كان وجهه شاحباً كالأموات، ويمسك بطنه بيده ويعرق بغزارة. ​جون بصوت خافت ومحرج: "أنا.. أريد الدخول إلى الحمام فوراً.. لقد أكلتُ كثيراً وبشراهة قبل المجيء إلى هنا.." ​سقط فك فلهلا من الصدمة والاصابة بالذهول الكوميدي، وهمس بغضب وهو يشد شعره: "ماذا تقول أيها الأحمق؟! ولماذا أكلت أساساً في وقت كأزمة كهذه؟!" ​جون بملامح باكية: "كانت زوجتي تريد مني أن آكل معها قبل سفري.. وكانت س تقتلني وتنهي حياتي إن لم آكل من طعامها!" ​فلهلا بنبرة مرعبة: "يبدو أنني أنا من سوف يقتلك هنا ويوفر عليها العناء!.. اذهب من أمامي بسرعة!" ​ركض جون خارج القاعة ممسكاً ببطنه، بينما ضحك بعض الملوك بسخرية. ​وقفت ديما بانتصار وقالت: "ماذا الآن؟ هل أنتم عاجزون عن الكلام والدفاع عن أنفسكم؟" ​وقف فلهلا بكل هيبته وطول قامته، ونظر إليها بجدية استراتيجية: "سأتكلم أنا.. أولاً، من حقي بيع أسلحتي لمن أريد في عوالمي الحرة. وثانياً، هل المتهم في الجريمة هو من صنع السكين، أم القاتل الذي طعن بها؟" ​ديما بصوت عالٍ: "المتهم هو البائع الذي يسهل الجريمة، وأنت البائع هنا!" ​ابتسم فلهلا بخبث، وأخرج حزمة من الأوراق الدبلوماسية الضوئية ورماها في الهواء لتظهر أمام الجميع: "هذه الأوراق الرسمية تثبت أنني بعت الأسلحة بشكل قانوني لمملكة 'خوفو'.. ومملكة خوفو هي من أعادت بيعها من تحت الطاولة لجماعات الشيشن! مشكلتكِ الأساسية مع ملك خوفو وليست معي. يمكنكِ تقديم طلب اتهام بيع أسلحة لجماعات إرهابية ضده في محكمة الأبعاد البعدية.. وشكراً لحسن استماعكم." ​تغيرت ملامح ديما إلى الصدمة والخزي، بينما همس الملوك بذكاء فلهلا الاستراتيجي الذي أوقع بعدوه في فخ قانوني. ​بعد نهاية الاجتماع وإعلان براءة فلهلا، كان يسير في الرواق الخارجي عندما اعترضت ديما طريقه وهي تكاد تنفجر من الغيظ. ​وقف فلهلا أمامها ببرود وقال: "بالمناسبة يا ديما.. أريد شراء كميات ضخمة من خام الميثال من مملكتك." ​نظرت إليه بذهول وسخرية: "أنت أحمق متغطرس حقاً! لماذا قد أبيع لعدوي اللدود شيئاً ثميناً يحتاجه جيشه؟" ​اقترب فلهلا خطوة، ونظر في عينيها بنظرة درامية عميقة تحذيرية: "أنا لست عدوكِ يا ديما.. أنتِ من تعادين العالم أجمع بسبب كبريائكِ. سيأتي يوم قريب، ولن تجدي أحداً في هذا الكون لتعاديه.. سوى نفسكِ." ​رمى في يدها ملفاً ضوئياً وتابع بلهجة ملكية حاسمة: "هذه أوراق طلب الشراء بالكميات والأسعار التي أحتاجها، يمكنكِ مراجعتها بعقلانية إن وجد.. وداعاً." ​استدار فلهلا ومشى مع شادو واسنيكي وجون (الذي عاد يمسك بطنه باعتذار)، تاركين ديما تقف في مكانها تنظر للأوراق بشعور غريب يخلط بين الغضب.. والغموض حول ما يخطط له ملك العوالم.
الفصل الثالث: أنا أقوى... لكن لستُ أفضل
​في ممرات معسكر التعبئة العامة التابع لبُعد "زينيثيا"، كان الغبار الأيوني يتصاعد مع تحركات آلاف الآليات الثقيلة. تقدم الملك فلهلا بخطوات سريعة وعينين تشعان حنقاً، ومرّ وسط صفوف الجنود الذين انضبطوا فوراً وأدوا التحية العسكرية الرسمية الواقعية بصرامة، رافعين أيديهم اليمنى بمحاذاة حواجبهم ورؤوسهم في سكون تام. تجاوزهم فلهلا دون تشتيت حتى دخل قاعة الاجتماعات الحربية، ليدب الصمت فوراً بين الجنرالات المصطفين حول الطاولة الضوئية. ​تخطى فلهلا رأس الطاولة وقال بنبرة هادئة لكنها تحمل هيبة مرعبة: "ماذا حدث؟ كيف حدث هذا؟.. كيف تنفذ مثل هذه العملية الانتحارية من جماعات إرهابية متفرقة وتخترق حصوننا الكونية؟" ​تنحنح الجنرال "ائير" وهو يمسح العرق عن جبينه: "لا أعلم كيف حدث هذا يا سيدي.. كنا في وضع آمن ومستقر تماماً، حتى تم الهجوم علينا بجيش كامل منظم ومباغت! لا أظن أبداً أن هذه مجرد جماعات عشوائية تفتقر للتوجيه." ​تأملت الجنرالة "بانوراما" الخرائط الضوئية المعروضة وعلقت بنبرة قلقة: "سيدي، أنا أيضاً لا أظن أنها مجرد جماعات إرهابية عشوائية.. خطتهم العسكرية كانت مبنية على مراوغة استراتيجية مدروسة، والأسلحة التي في أيديهم تملك قوة تدميرية غير مألوفة لمن هم في مستواهم." ​تقدم المستشار "ماركر" وهو يلقي بملف رقمي مشفر فوق الطاولة: "إنها تملتك عتاداً وأسلحة حديثة جداً، بالإضافة إلى طائرات إنزال لوجستي متطورة لا تُصنع في هذه الأبعاد بأكملها إلا لدى مملكة 'خوفو'.. تفضل يا سيدي، هذه هي نتائج التحقيق الميداني والأرقام التسلسلية للمحركات." ​ضغطت بانوراما على يديها وقالت: "إذن الأمر سياسي.. علينا بالهدوء التام والتروي، وتقديم شكوى رسمية عاجلة لدى اتحاد الأمم البعدية لمعاقبة خوفو قانونياً." ​انفجر الجنرال ائير غاضباً وصرخ في وجهها: "شكوى؟! هل أصبحتِ حمقاء لعينة يا بانوراما؟! جنودي وضباطي اغتيلوا بدم بارد في هذه المداهمة الغادرة! دماء رجالنا تسيل، وعلينا إعلان الحرب فوراً على خوفو، فهو يعادي كل شبر في اتحادنا!" ​اعتدل فلهلا في جلسته ونظر إلى الطاولة وقال بحزم: "ائير محق في غضبه.. جيكر لا يريد منا أن ندخل في حروب، ويكتفي دائماً ببيانات الإدانة والشجب السخيفة. لكن دماء من ماتوا من جنودنا.. من سوف يدينها؟ ومن سيشفي غليل عائلاتهم غير دماء أخرى تلوح في الأفق لتشفي الدم القديم؟" ​تنفس ائير الصعداء وقال: "سأتكلم فوراً مع الملك والقائد 'ريتشيرد ليون'.. علينا البدء فوراً في تمشيط شامل للمناطق والأبعاد التي تختبئ بها هذه الجماعات. سأتولى أنا قيادة الغطاء الجوي، وريتشيرد وجنوده يتولون الهجوم الكاسح على الأرض." ​فكر فلهلا للحظة ثم التفت إلى جنرالاته محذراً: "حسناً.. افعلوا ذلك، لكن لا أريد أن يعرف جولي بأي شيء من هذه الخطط، لكي لا ينقل الأخبار فوراً ويخبر جيكر بما ننتويه." ​وفجأة، تجمد الهواء في القاعة، وتلاشت الألوان من الخرائط الضوئية ليحل مكانها سواد حالك، وارتفعت برودة الغرفة لدرجة جعلت أنفاس الحاضرين تخرج كالبخار. من العدم، انشقت خطوط الفراغ في زاوية الغرفة، وظهر جيكر بقناعه المرعب المتجمد الذي يخفي وراءه أهوال الكون. ​تردد صدى صوت جيكر الضخم داخل عقولهم: "تعلم تماماً أنني أستطيع سماع كل ما تقوله يا فلهلا.. حتى وإن همست به لنفسك." ​لم يرتجف فلهلا، بل وقف وواجهه بعينين حادتين: "أعلم أنك أحمق.. تريد أن تعيش في سلام زائف بينما العالم من حولك يغرق في الخراب والدمار بسبب قرارات محكمتك." ​جيكر بصوته الهادئ المرعب: "أنا أحاول حمايتكم من.." ​قاطعه فلهلا بسخرية لاذعة: "من ماذا؟.. من نفسك؟ يمكنك الرحيل فقط وتركنا وشأننا، فلن تسوء الأمور أبداً من غير وجودك." ​وقبل أن يجيب جيكر، انطلقت صفارات الإنذار الحمراء في المعسكر بأكمله، واهتزت جدران القاعة بعنف أشد. اندفع أحد الجنود إلى الداخل وهو يصرخ بهلع: "سيدي الملك! اللعنة، ما هذا؟! هناك هجوم مرعب كاسح يتجه نحونا.. العد التقديري لجيوش الأعداء هو 19 مليار جندي منظم بالكامل ويطوقون أبعادنا الآن! هل نبدأ بتجهيز السلاح الدفاعي ومدافع الطاقة؟" ​شحب وجوه الجنرالات من الرقم الفلكي (19 مليار جندي)، ووقفوا في ذهول، لكن فلهلا تقدم بخطوة واثقة نحو المخرج وقال ببرود قاتل: "لا.. لا تجهزوا شيئاً، سأتولى الأمر بنفسي." ​وفي تلك اللحظة، رفع جيكر يده ببطء.. و(فرقع أصابعه). ​بصوت يشبه تمزق النسيج الكوني نفسه، ساد صمت مطلق لثانية واحدة في الخارج، ثم عاد التيار الكهربائي للعمل بانتظام وتوقفت صفارات الإنذار تماماً. التفت جيكر نحو فلهلا وقال بصوته البارد: "أنهيت الأمر.. لقد تبخر الـ 19 مليار جندي وأسلحتهم إلى الفراغ المطلق. ربما تكون محقاً يا أخي.. سأرحل الآن كما طلبت تماماً، وأتمنى حقاً ألا تسوء الأمور في غيابي.. هذا إن كان هناك ما هو أسوأ من ذلك." ​اختفى جيكر في ثقب الظلام بنفس السرعة التي ظهر بها، تاركاً القاعة بأكملها في حالة صدمة وذهول شلت عقول الحاضرين. ​وضعت بانوراما يدها على فمها تبتلع ريقها برعب: "ما هذا بحق الجحيم؟.. من يكون هذا الشخص بالضبط؟! هذا الشيء الذي رأيته للتو.. ليس بشرياً ولا ملكاً!" ​التفت إليها فلهلا وعيناه ممتلئتان بنظرة غامضة: "إنه جيكر.. سيد الشر." ​انفتح الباب الحديدي ودخل القائد "ريتشيرد ليون" ببدلته العسكرية الثقيلة ودرعه الواقي، ونظر إلى الوجوه المذهولة وقال بدون أي مقدمات: "هل استخدم جيكر قوة الفراغ والمحو للتو؟ شعرت بالهزة في عظامي وأنا في الخارج." ​فلهلا وهو يحاول استعادة توازنه الاستراتيجي: "على ما يبدو، أجل.. من الجيد أنك أتيت يا ريتشيرد في هذا الوقت. هناك أمر جديد وصادر مني شخصياً: إعلان حرب شاملة على..." ​بعد ساعات من التخطيط والتحضير العسكري الكثيف، وقف فلهلا في الساحة الكبرى للمعسكر لاستعراض القوات التي ستنطلق لتطهير جيوب المتمردين. ​التفت فلهلا إلى ماركر وجون: "هل كل شيء جاهز للتحرك؟" ​ماركر وهو يضرب التحية الرسمية: "أجل يا سيدي، كل شيء مستعد. يمكنك تفقد الجيش ومراجعة الفصائل حتى نبدأ ضربة البداية." ​تقدم شادو من بين الظلال بخطواته الهادئة ووقف بجانب فلهلا قائلاً بصوت منخفض: "سآتي معك لتفقد الجنود.. أريد أن أشرح لك موضوع لقبك المثير للجدل الذي سمعته في مجلس الممالك." ​مشى فلهلا وشادو بين ممرات الجنود المصطفين الذين يؤدون التحية العسكرية المعتادة برفع الأيدي للرؤوس بانتظام شديد، وبدأ شادو يتحدث بغموض لاهوتي: "وهذه هي القصة باختصار.. هناك أطراف خفية تحاول تجميع جماعات دينية من مختلف الأبعاد ليعبدوك ويقدسوك علناً، والهدف الخبيث من ذلك هو إيصال الأخبار لأسقف الدين الأعلى ليقولوا له إن فلهلا لا يعبد الله ويظن نفسه إلهاً وحاشا لله. وحسب دستور وقوانين الأبعاد العليا، فإن الشيء الوحيد الذي يسحب منك الشرعية ويعيد خلافة عرش العوالم لغيرك.. هو تهمة الإلحاد والادعاء بالألوهية." ​توقف فلهلا في مكانه وعقد حاجبيه بغضب دافين: "وكم هي نسبة انتشار هذه الإشاعة اللعينة حتى الآن؟" ​شادو بنظرة جادة: "أكبر مما قد تتخيل.. لقد تغلغلت ووصلت إلى داخل صفوف جيشك الحالي! بعض هؤلاء الجنود الذين يقفون أمامك الآن، يحاربون في المعارك بنية راسخة في عقيدتهم أنهم يحاربون مع إله حقيقي وليس مع ملك." ​بينما كان فلهلا يستوعب خطورة هذا المخطط السياسي والديني، استمر في السير وتفقد الجنود. وفجأة، التقطت عين فلهلا الحادة جندياً في فرقة المشاة يؤدي تحية غريبة وخاطئة تماماً؛ لم يرفع يده لرأسه مثل البقية، بل وضع قبضة يده اليمنى على صدره بقوة ووقف بارتباك. ​توقف فلهلا أمامه تماماً، ونظر إليه بطوله الفاره وقال بنبرة حازمة: "هاي أنت هناك.. لماذا تحيي تحية عسكرية لا تنتمي إلى فصيلتك كبشري؟ عرّف عن نفسك فوراً." ​ارتبك الجندي وضرب صدره بقبضته مجدداً وقال بصوت مرتجف: "كازوي.. كازوي أليوس، من الفرقة رقم 145995، القطاع (د)، قوات التعبئة العامة يا سيدي!" ​تلاشت حدة فلهلا وحلت مكانها نظرة تفهم (شريحة من الحياة): "التعبئة العامة؟ أنت جندي احتياط إذن.. هذا يفسر تحيتك العسكرية الخاطئة وغير المنضبطة للقوانين." ثم لمحت عينا فلهلا خيطاً متدلياً من تحت درع الجندي: "ما هذه القلادة؟ ممنوع بتاتاً ارتداء القلائد أو الحلي الشخصية في قوانين الجيش." ​أسرع كازوي بإنزال رأسه واعتذر بحرج: "آسف يا سيدي الملك.. لكنها قلادة تحمل صورة ابنتي الصغيرة، لا أستطيع مفارقتها." ​مد فلهلا يده وأمسك بالقلادة برفق، ونظر إلى صورة طفلة صغيرة تبتسم ببراءة، وارتسمت على وجه الملك ابتسامة دافئة: "إنها لطيفة جداً.. ما اسمها؟" ​كازوي ب فخر: "اسمها ميا، يا سيدي." ​فلهلا: "أتمنى السعادة الخالصة لك، ولها.. ولزوجتك." ​تغيرت ملامح كازوي إلى حزن عميق، وأنزال عينيه إلى الأرض: "زوجتي متوفية يا سيدي.. ماتت بسبب حرب خوفو الأولى، قُتلت بسبب طوفان الوحوش الكاسح الذي اجتاح مملكتها آنذاك.. ابنتي ميا تعيش مع أختي (خالتها) الآن في الموطن." ​شعر فلهلا بوخزة درامية في قلبه، وربت على كتف الجندي برفق: "أنا آسف لخسارتك العميقة يا كازوي.. ساخرق القوانين لأجلك وسأحاول بعد هذه المعركة أن أصرف لك قرار إحالة للخدمة المدنية أو العسكرية القريبة من موطنك، لتكون بجانب ابنتك وتربيها." ​امتص كازوي دموعه، وضرب صدره بقبضته مجدداً شكراً لملكه. ​ابتسم فلهلا بقلة حيلة وقال كوميدياً: "ألم أقل لك إن هذه التحية خاطئة للجيش؟.. لا تهتم، افعل ما تريد وداعاً الآن." استدار فلهلا وتابع مسيره، بينما وقف كازوي وعيناه تلمعان بالأمل. ​اندلعت المعركة الشرسة ضد الجيوب الإرهابية في الأبعاد المظلمة، ورغم تحقيق النصر الساحق والقضاء على المتمردين بفضل الغطاء الجوي لائير واقتحام ريتشيرد، إلا أن الحرب دائماً ما تطلب ثمناً من الدماء. ​في ساحة المعسكر بعد نهاية القتال، كانت جثث الشهداء من الجنود مصفوفة بكرامة ومغطاة ب رايات الاتحاد. تجمع الجنود والضباط بملامح حزينة مكسورة لتجميع الضحايا والصلاة عليهم صلاة الجنازة. ​تقدم القائد "صلاح"، وهو المسؤول الديني والإمام في الفيلق، والتفت نحو فلهلا وقال باحترام: "جلالة الملك فلهلا.. تفضل للإمام لتقود الناس في الصلاة." ​تراجع فلهلا خطوة إلى الخلف، وهز رأسه ب تواضع ووقار: "شكراً لك يا صلاح، لكن تفضل أنت وتقدم.. أنت أعلم وأفقه مني في أمور الدين والشريعة." ​اصطف الجنود المسلمون خلف صلاح وبدأت التكبيرات الهادئة لصلاة الجنازة تعم المكان بوقار ودراما حزينة. في الجانب الآخر من الساحة، لاحظت بانوراما أن القائد ريتشيرد ليون يقف بعيداً مع فرقته ممسكاً بسلاحه ومستنداً إلى مدرعة دون أن ينضم للصفوف. ​اقتربت بانوراما وقالت بنبرة عاتبة: "سيد ريتشيرد.. ألم تصلِ معنا على أرواح جنودنا؟" ​التفت إليها ريتشيرد ورمقها بنظرة غريبة، ثم قال بنبرة متهكمة وكوميدية: "اسمي ريتشيرد يا ذكية! ريتشيرد أيها الحمقاء.. أنا مسيحي!" ​اتسعت عينا بانوراما بحرج شديد وضربت جبهتها: "أوه!.. أنا آسفة جداً، لم أقصد، تشتت عقلي مع الأحداث." ​ابتسم ريتشيرد بهدوء وربت على درعها: "لا تهتمي أبداً، الأمر طبيعي.. سأبقى أنا وفرقتي هنا نراقب الأجواء ونحرس الحدود لنحمي ظهوركم ونؤمنكم أثناء الصلاة.. هذا واجبنا تجاه رفاق السلاح." ​وبعد انتهاء الصلاة، مشى فلهلا بين الجثامين ليتفقد الأسماء المكتوبة على الشواهد، وفجأة، تجمدت خطواته. انحنى ببطء ليرى وجه أحد الضحايا.. لقد كان الجندي الاحتياطي كازوي، والقلادة التي تحمل صورة ابنته ميا كانت ملطخة ببعض الدماء فوق صدره. ​أغمض فلهلا عينيه بأسى، وقال بصوت منخفض للجنرال ائير الذي كان يقف خلفه: "أريد حضور دفن هذا الرجل بنفسي في موطنه." ​عقد ائير حاجبيه بتعجب: "لماذا هذا الجندي تحديداً يا سيدي؟ هناك مئات الشهداء." ​أجاب فلهلا وهو ينظر لقلادة كازوي: "لأنني أعرفه نوعاً ما.. وقطعت له وعداً لم أستطع الوفاء به." ​وفي البُعد السكني الهادئ، وسط أجواء ممطرة تليق بشريحة من الحياة الحزينة، انتهت مراسم الدفن الرسمية لكازوي. وقف فلهلا بعباءته الملكية أمام قبر الجندي الراحل، ولمح فتاة صغيرة تبلغ من العمر بضع سنوات، تجلس على ركبتيها وتبكي بصمت مرير أمام الشاهد، وبجانبها سيدة تواسيها. ​تقدم فلهلا بخطوات هادئة وانحنى لمستواها وقال بنبرة دافئة: "مرحباً.. أنتِ ميا، أليس كذلك؟" ​رفعت الفتاة عينيها الحمراوين من البكاء، ونظر إلى التاج الملكي على رأسه وقالت بصوت متقطع: "أجل.. هل أنت جلالة الملك فلهلا؟ قائد أبي الذي كان يتحدث عنه دائماً؟" ​ابتسم فلهلا بحزن: "معلوماتكِ جيدة ودقيقة.. أجل، أنا هو." ​نظرت ميا إلى القبر ثم التفتت إليه ببرهة أمل طفولية: "هل سيعود أبي يا سيدي؟" ​شعر فلهلا بغصة خانقة في حلقه، ونظر إلى السماء الممطرة قبل أن يجيبها بعمق درامي: "ربما ليس الآن.. لكن سيأتي يوم حتمي وسوف ترينه، وترين والدتكِ معه في مكان أفضل بكثير من هذا العالم الصاخب.. ميا، هل تعلمين أن والدكِ كازوي كان أفضل مني بكثير؟" ​فتحت ميا عينيها بذهول طفولي مسحت دموعها: "كيف ذلك؟ ألست أنت الملك القوي الأقوى في العوالم الذي لا يُقهر؟" ​نظر فلهلا إلى شاهد القبر وقال كلماته العميقة: "أنا أقوى.. ولكنني لستُ أفضل. بينما كنتُ أنا أحارب في المعارك وأنا أعلم يقيناً في داخلي أنني أمتلك قوة كونية مطلقة ولن أُقهر وسأفوز حتماً.. كان والدكِ شجاعاً حقيقياً، يحارب في الصفوف الأمامية بكل بسالة وهو يعلم تماماً في داخله أنه قد يموت في أي لحظة ويترككِ.. ومع ذلك لم يتراجع خطوة واحدة. هذه هي الشجاعة الإنسانية التي لا أملكها." ​التفت فلهلا بكامل هيبته نحو قبر كازوي، ولأول مرة أمام الجميع، ضرب قبضة يده اليمنى على صدره بقوة وأدى التحية العسكرية الخاطئة التي كان يؤديها كازوي تكريماً لذكراه وتمرده البسيط. ​ثم التفت إلى ميا وقال بابتسامة: "هل تريدين أن تصبحي مثل والدكِ؟ شجاعة وقوية؟ أستطيع أن أعلمكِ فنون القتال والدفاع بنفسي إن أردتِ." ​لمعت عينا ميا بالدموع والعزيمة وقالت: "أجل! أريد ذلك!" ​وقفت الصغيرة بكل فخر، ووضعت قبضة يدها اليمنى على صدرها لتؤدي تحية والدها الخاصة نحو فلهلا. ورد الملك عليها بنفس تحية القبضة، في مشهد مؤثر جمع بين عظمة الملك وبراءة الطفولة. ​تراجعت ميا ل تتحدث مع خالتها وتستعد للمغادرة، وفي تلك اللحظة، تحركت الظلال خلف الأشجار، وخرج جيكر ل ينفرد بأخيه فلهلا وسط الضباب الكوني. ​نظر جيكر إلى فلهلا وقال بنبرة هادئة غير معهودة: "لم أرك حزيناً ومكسوراً هكذا من قبل يا فلهلا.. منذ يوم وفاة معلمنا الأول." ​فلهلا وهو ينظر إلى كف يده: "لست حزيناً لمجرد الموت.. أنا آسف لأنني عشت وشاهدت فصلاً من قصة أحد الأبرياء الذين تُهدر دماؤهم في هذا الكون الشاسع لمجرد جشع سلطة، أو مال، أو صراع قوى لا ذنب لهم فيه." ​جيكر وعيناه المخفيتان ترقبان الأفق: "هل فهمت الأمر الآن إذن؟" ​فلهلا بصلابة وعزم جديد: "أجل، فهمت تماماً.. ولكنني سأجلب السلام إلى هذه الأبعاد بطريقتي الخاصة، وليس بطرق محكمتك الفاسدة." ​وفجأة، قطعت ميا حديثهما وجرت نحو فلهلا، ممسكة بيده الكبيرة بأصابعها الصغيرة الدافئة دون خوف من الأجواء المحيطة. ​التفت جيكر لينظر إلى الفتاة الصغيرة التي تمسك بيد الملك. وفي تلك اللحظة، انبعثت قوة هائلة خفية من جسد جيكر، واهتز النسيج المحيط بقناعه الأسود المتجمد، ليتحول القناع المرعب فجأة بفعل طاقته إلى وجه قريب جداً من الملامح البشرية الدافئة.. وارتسمت على وجه جيكر ابتسامة صادقة ولطيفة لأول مرة تجاه الطفلة ميا، كأنه يزرع في قلبها الأمان وسط هذا العالم المليء بالشرور.
لم يتم العثور على فصول تطابق بحثك.